ابن الجوزي
265
صفة الصفوة
مبتدع ، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردّهم إليهم ، فإذا كلّمنا الملك فيهم فأشيروا على الملك بأن يسلمهم إلينا ولا يكلّمهم فإن قومهم أعلى بهم عينا . فقالوا : نعم . ثم قربوا هداياهم إلى النجاشي فقبلها منهم ثم كلماه فقالا له : أيها الملك إنه قد صبأ إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت ، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردّهم إليهم فهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم . فقالت بطارقته : صدقوا فأسلمهم إليهما . فغضب النجاشي ثم قال : لا ، هيم اللّه إذا لا أسلمهم إليهما ولا أكاد قوما جاوروني ، نزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم ما ذا يقول هذان في أمرهم ؟ فإن كانوا كما يقولان سلمتهم إليهما وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني . قال : ثم أرسل إلى أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فدعاهم فلما أن جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض : ما تقولون للرجل إذا جئتموه ؟ قالوا : نقول واللّه ما علمنا وما أمرنا به نبينا صلّى اللّه عليه وسلم ، كائن في ذلك ما هو كائن . فلما جاءوه ، وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله ، سألهم فقال : ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين آخر من هذه الأمم ؟ . قالت : وكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال له : أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ، يأكل القويّ الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث اللّه عزّ وجل إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى اللّه عزّ وجل لنوحّده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار وكف عن المحارم والدماء . ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة . وأمرنا أن نعبد اللّه لا نشرك به شيئا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام فصدّقناه وآمنّا به فعبدنا اللّه عزّ وجل وحده فلم نشرك به شيئا ، وحرّمنا ما حرّم علينا وأحلننا ما أحلّ لنا فعدا علينا قومنا